ابن بسام

102

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ولم نسبح « 1 » في بحر عمانا ، ولم نمل مع هوانا ، دنّا له ، ودعونا إليه ، فمن لقيه منا حيّاه بالملك ، ومن لم يدرك زمن سلطانه ، ودولة أوانه ، اعتقد ما عقد عليه ، ولبّى « 2 » ما دعي إليه ، فهو الأكرم حسبا ، والأشرف زمنا ، إن فقد عينه لم يفقد أثره ، أو غاب شخصه لم يغب عرفه ، وهو أحمر والحمرة لون الدم ، والدم صديق الروح ، وهو كالياقوت المنضّد ، في أطباق الزبرجد ، وعليها « 3 » فرائد العسجد ، وأما الأشعار فبمحاسنه حسنت ، وباعتدال جماله وزنت . / وفي فصل منها : وكان ممن حضر هذا المجلس من رؤساء الأنوار والأزهار ، النرجس الأصفر والبهار ، والبنفسج والخيريّ النمام « 4 » . فقال النرجس الأصفر : والذي مهّد لي حجر الثرى ، وأرضعني ثدي الحيا ، لقد جئت بها أوضح من لبّة الصباح ، وأسطع من لسان المصباح ، ولقد كنت أسرّ من التعبّد له والشغف به ، والأسف على تعاقب الموت دون لقائه ، ما أنحل جسمي ، ومكّن سقمي ، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى ، فقد خفّ ثقل البلوى . ثم قام البنفسج فقال : على الخبير سقطت ، أنا واللّه المتعبّد له ، والداعي إليه ، المشغوف به ، وكفى ما بوجهي من ندوب ، ولكن في التأسي بك أنس . ثم قام البهار فقال : لا تنظرنّ إلى غضارة منبتي ، ونضارة ورقي « 5 » ورقّتي ، وانظروا إليّ وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه ، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه : ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي « 6 » ثم قام الخيري « 7 » فقال : والذي أعطاه الفضل دوني ، ومدّ له بالبيعة يميني ، ما اجترأت قطّ إجلالا له ، واستحياء منه ، على أن أتنفس نهارا ، أو أساعد في لذّة صديقا أو جارا ، فلذلك جعلت الليل سترا ، واتخذت جوانحه كنّا .

--> ( 1 ) البديع : نرتكض . ( 2 ) ل : وولي . ( 3 ) العطاء : عليها ؛ وهذه العبارة ابتداء من « وعليها » حتى نهاية الفصل سقطت من ك . ( 4 ) العطاء : وهو النمام . ( 5 ) د : رونقي ؛ ولفظة « ورقتي » سقطت من ل ك . ( 6 ) للخنساء ، ديوانها : 152 . ( 7 ) العطاء : الخيري النمام .